الفيض الكاشاني

23

أنوار الحكمة

الحالتين ؛ فعلمنا أنّ الأجسام كانت قد استضاءت بضوء ، واتّصفت بصفة فارقتها عند الغروب ، فعرفنا وجود النور بعدمه ، وما كنّا نطّلع عليه - لولا عدمه - إلّا بعسر شديد ؛ وذلك لمشاهدتنا الأجسام متشابهة غير مختلفة في الظلام والنور . هذا مع أنّ النور أظهر المحسوسات - إذ به يدرك سائر المحسوسات - فما هو ظاهر في نفسه وهو مظهر لغيره ، انظر كيف تصوّر استبهام أمره بسبب ظهوره - لولا طريان ضدّه - . فإذن الربّ - تعالى - هو أظهر الأمور ، وبه ظهرت الأشياء كلّها ، ولو كان له عدم أو غيبة أو تغيّر ، لانهدّت السماوات والأرض ، وبطل الملك والملكوت ، ولا دركت التفرقة بين الحالتين ؛ ولو كان بعض الأشياء موجودا به وبعضها موجودا بغيره ، لادركت التفرقة بين الشيئين في الدلالة ؛ ولكن دلالته عامّة في الأشياء على نسق واحد ، ووجوده دائم في الأحوال يستحيل خلافه ، فلا جرم أورث شدّة الظهور خفاء . فهذا هو السبب في قصور الأفهام . وأمّا من قويت بصيرته ، ولم تضعف منّته « 1 » ، فإنّه في حال اعتدال أمره لا يرى إلّا اللّه وأفعاله « 2 » ؛ وأفعاله أثر من آثار قدرته ، فهي تابعة له ، فلا وجود لها بالحقيقة « 3 » ، وإنّما الوجود للواحد الحقّ الذي به وجود الأفعال كلّها . ومن هذا حاله فلا ينظر في شيء من الأفعال إلّا ويرى فيه الفاعل ، ويذهل عن الفعل من حيث أنّه سماء وأرض ، وحيوان وشجر ؛ بل ينظر فيه من [ حيث ] أنّه صنع « 4 » ، فلا يكون نظره مجاوزا له إلى غيره ؛ كمن نظر في شعر إنسان ، أو خطّه ، أو تصنيفه ،

--> ( 1 ) هامش مل : المنّة - بالضم - القوة . ( 2 ) المحجة : + ولا يعرف غيره ويعلم أنه ليس في الوجود إلّا اللّه وأفعاله . ( 3 ) الإحياء والمحجة : + دونه . ( 4 ) الإحياء والمحجة : + الواحد الحق .